بل أم المهازل.. يا «رفيقة»..!

…..

مطلق العنزي

لم يجد ملياردير العقارات الصيني سيشل تشاو إلا عرض 50 مليون يورو لمن يستطيع إغواء أبنته جيجي تشاو (33 عاماً) والزواج بها، وإن لم يستطع «الدونكشوان» إغوائها، على الأقل، يقنعها بالزواج من رجل..! لأن الأبنة شاذة وعقدت قرانها على إمرأة أخرى هي شيان ايي (45 عاماً) وتزوجتا في فرنسا بـ«مباركة» الكنيسة. ولا بد أنهما اختارتا قساً من نفس الصنف والمزاج، ومصاب بذات الفيروس.
وتعمل جيجي «المفضوحة» مديراً تنفيذياً لإحدى شركات الوالد الكريم في هونغ كونغ، وشريكتها مديرة تسويق في شركة أخرى.
وطبعاً مثل كل الخطائين بدلاً من أن تفكر بالأمر، شنت جيجي هجوماً على «تحجر» العادات والتقاليد الصينية وكل قارة آسيا، بما فيهم سكان الصحاري القاحلة وشاهقات شنغهاي والتبت ومروج السند الخضراء ومرابع آيات الله. وأخذت علينا، نحن سكان الشرق، أننا لا نزال أسرى نظرنا القاصر، ونرى الشذوذ عيباً..!. وقالت أن هونغ كونغ تعيش في ظلال الصين، «حتى العلاقات الجنسية تجري طبقاً للتقاليد الصينية».
وتخضع هونغ كونغ، المستعمرة البريطانية السابقة، وجنة الأعمال، لنظامين رأسمالي ورعاية من الأيديولوجيا الشيوعية في الأرض الأم، فهي منقسمة وجدانياً ومحتارة بين الولاء للدولار والمستعمرين القدامى أو الولاء للرفيق وون جيا باو.
المضحك أن جيجي ردت على آلاف الرسائل التي وصلتها، بعد عرض الوالد، طبقاً لصحيفة «ايفننغ ستنارداد» البريطاينة ـ بأن ذلك «من جد.. هبل ومهزلة»..!. وكأن الذي ارتكتبه ليس هبلاً ولا مهزلة.
بل أم المهازل يا رفيقة.
وقالت أنها تود أن يتركها «هؤلاء الصيع» تعيش بـ«كرامة»..!
يبدو حتى بعد منتصف القرن الماضي، لم يكن أحد، في جميع أنحاء العالم، يجرؤ على الإفصاح علناً في مجلس أو في وسائل الإعلام عن شذوذه. وأصبح الشذوذ، الآن، نوعاً من «المفاخر» بل وزواجات تباركها كنائس وقسس.
هناك من يرى أن هذا «تطور»، على اعتبار أن التطور هو «لملمة» كل ما يحدث في الغرب واستيراده، حتى أمراض مثل تلك ومهازل أخرى.
وتطرح القضية تحدياً حاسماً لحضارات الشرق، هي أنه لا يمكننا الاستغناء كلياً عن منتجات الحضارة الغربية ولا يمكننا انتقاء الطيبات فقط واستيرادها.
فماذا نفعل؟
أمراض الحضارة الغربية مثل الشذوذ تتحول إلى قناعات، لها فلاسفة ومنظمات ومنظرون وناشطون وأبالسة «يزينونها» ويصممون الدعايات لها ويروجونها بين المراهقين والشباب، ولا يمكن مواجهتها والقضاء عليها في ربوع الشرق بالمنع والعقاب وحدهما.
ولا بد من مواجهة ترويج الأمراض بترويج مماثل للعلاجات والبلاسم.
التثقيف العام والديني وتعزيز شخصية الفرد هي خط الدفاع الأول والمضاد الحيوي ومناعة ضد كل أنواع الأمراض الحضارية، بما في ذلك موبقات الرأسمالية الفاحشة وثقافة الاستهلاك، وتحويل الإنسان إلى كائن جواع أكال فاغراً الفم والفؤاد لكل ما تفيض به شوارع الغرب.
المليادير تشاو كان يمكن أن ينقذ أبنته، لو أنه في صباها حماها من ثقافة الاستهلاك التي حولت قرة العين إلى كائن هش ضعيف لا يصمد أمام مغريات منظري الشذوذ ودعاياتهم البراقة.
ولكن يبدو أنه أغدق عليها الأموال، وترك مخيخها فارغاً فاصبحت غصناً طرياً في هبوب الرياح العاتية.
وفي الحقيقة فإن الشباب يضيع في غياهب البواليع الاستهلاكية الملوثة، وليس بالضرورة أن يصاب المراهقون بأمراض الشذوذ، فيوجد أكثر من سبيل وطريقة إلى الإرتماء في لهب النيران التي يوقدها أبالسة الأرض.
____________

مجلة الاقتصاد ـ نوفمبر 2012

 

بل أم المهازل.. يا رفيقة

«الحلو».. الناقص.. وسياحة «التترع»..!

مطلق العنزي

دائماً يقولون «الحلو ما يكمل».. وهذه مسلمة تروج في طول الأرض وعرضها، لأن نقص «الحلو» من صنع بشري. وأغلب (وليس كل) «الحلوات»، أي جميلات الغيد، وكثيرات منهن يعانين أما من «خفة» أو مسحة من غباء أو الغرور (وهو الأكثر شيوعاً)، مع أني أرى أن غرور الجميلات ينشأ أساساً من تحرشات الثقلاء الشعث الغبر «ذوي الشوش» المنفوشة كأشجار خباري العوشز، وهم يتمشون في «المولات» وتعليقاتهم السمجة، التي يظنون أنها تبز رومانسية النابغة الذبياني بـ«المتجردة»:
نَظَـرَت بِمُقـلَةِ شـادِنٍ مُتَـرَبِّـبٍ        أَحـوى أَحَـمِّ المُـقلَتَـينِ مُقَـلَّدِ
وَالنَظـمُ في سِلكٍ يُزَيَّنُ نَحرَها        ذَهَبٌ تَوَقَّدُ كَالشِهابِ الموقَدِ
صَفراءُ كَالسِيَراءِ أُكمِلَ خَلقُها        كَالغُصنِ في غُلَوائِهِ المُـتَأَوِّدِ

وغرور الجميلات «تاريخي» وعابر للقارات ومحيط الظلمات حتى يبلغ العالم الجديد في شواطيء الهادي الكاليفورنية، لهذا يكثر الـ«هيسبانك» (الأسبان) الأمريكيون، والأمريكيون الأفريقيون من التنكيت في «غباء» الشقراوات. لأنه قد سرى خطأ شائع في «الميديا» الأوروبية أن الشقر هن رمز الجمال ومعياره الأعلى. وأراه، وأنا أحد الشهود العدول بإذن الله، خطأ مبيناً وفادحاً نتج عن السيطرة الأوروبية على وسائل الإعلام الجماهيري التي تعيد صياغة مواقف الناس وأذواقهم بمعيار أوروبي، كما يفعلون دوماً.
دلفت شقراء أمريكية إلى محل بيع أجهزة منزلية فأشارت إلى جهاز قائلة: كم سعر هذا التلفزيون؟. قال البائع: عذراً نحن لا نبيع للشقراوات.!
صبغت شعرها بـ«أحمر» وغيرت في سحنتها، وعادت إلى المحل وسألت نفس السؤال، فرد عليها البائع: نحن لا نبيع للشقراوات.!
عادت إلى المنزل وصبغت شعرها بأسود حتى غدت «برونت»، وغيرت سحنتها وملابسها، وعادت إلى المحل وسألت نفس السؤال، ورد عليها بنفس الإجابة، فتعجبت «كيف عرفت أني شقراء وقد غيرت لون شعري ومظهري»؟. قال: عرفت أنك شقراء، لأن هذا الجهاز «ميكرويييييف» وليس تلفزيون.!.
وشقراء أخرى، من حرائر واشنطن وماجداتها ومخمليات المساءات الساهرة، زوجة سيناتور أمريكي كانت في رحلة في بحر مرمرة التركي الذي يفصل ضفة اسطنبول الأوروبية عن الضفة الآسيوية، أدهشت مضيفيها بأن «تعجبت» ثم بطحت سؤالاً بعرض البحر، «شيء خارق.. كيف تمكن البشر من حفر هذه القناة»..؟!.
فهي، بومضة ذكاء خادع، ظنت أن هذا البحر، المحدث منذ الزلازل العظيمة، قد حفره البشر. ولم يخبرها أحد أن «أوراسيا» قبل نحو 150 مليون عام انفجرت وانقسمت أراضيها إلى ثلاث قارات هي أوروبا وأمريكا الشمالية وجزء من آسيا. وبقي بحر مرمرة فاصلاً مائياً بين قارتين وخطاً للتماس الحضاري وصراع الثقافات والأمم والشعوب، قبل أن يتحول إلى بحيرة «عصملية».
وروع هذه الماجدة الأمريكية ينقلنا من فواكه واشنطن إلى مضاربنا العامرة بأنواع من الإغاضات.

حقاً تغيضني أشياء كثيرة، وأكثر من شعر رأسي، لكن أشد ما يغيضني هم أفواج السياح الذين يممون مدناً ومشاهد مثيرة في العالم ولا يكلفون أنفسهم بأقل قراءة تعريفية لتاريخ الأماكن التي تخلب الألباب. وأغلب السياح يعود، ولا يعلق بذاكرته، إلا زوايا مطاعم الوجبات السريعة وصالات الفنادق ومقاهي الشواطيء. وهذه طامة أشد وطأة علي.
وأقسى ما أعانيه أن ينقلب السائح إلى خبير «مآكل» ويحدثني بـ«حماس» و«رومانسية» عن أنواع الأكلات وطرق طهيها، والمقبلات وأنواع الحلويات..!
وقد استمعت، صابراً متحملاً متجملاً، نحو ساعة عوجاء عجفاء، إلى محاضرة كاملة أدلى بها وجيه عاد تواً من طوافه السنوي في أرض الله، وهو يستعرض أنواعا من «قوائم المطاعم» وكأنه النادل عينه.
كثير من «أشاوس السواح» وكبرائهم، إلا ما رحم ربك، يغلقون عقولهم ويفتحون بطونهم، ويسمون هذا «التترع» المؤسف، سياحة..!.
السياحة الحقيقية هي التي تجلت في خيال غيلان ذو الرمة:
أَلاَ حَيِّـيَـتا بِالــزُّرْقِ دَارَ مُــقَــامِ            لميِّ وإنْ هاجتْ رجيعَ  سقامِ
عَلَى ظَهْرِ جَرْعَآءِ الْكَثِيبِ  كَأَنَّهَا           سنيَّـة رقـمٍ فـي ســراة قـرامِ
إِلَى جَنْبِ مَأْوَى جَاملٍ لَمْ تَدَعْ بِهِ           منَ العننِ الأرواحِ غيرَ حطامٍ
كـأنَّ بقـايـا حائـلِ  فـي مناخـها            لُقَاطَاتُ وَدْعٍ أَوْ قُيُوضَ يَمَامِ

ملحوظة: هذه المقالة لم تكمل.. ربما لأنها «حلوة»..!

*مجلة الاقتصاد ـ شعبان ـ 1432 / يوليو 2011

الحلو الناقص.. وسياحة التترع

أرواح الشمس.. طقوس كهانة المال..!

مطلق العنزي

يبدو أن الهند لا تزال بلد الأساطير، وليس كريشنا وحده الذي يصنع المعجزات في أرض الأرباب والعجائب الخالدة.

بينما لهيب الأزمة الاقتصادية يشوي وجوه الناس، وسياطها الجائعة تأكل من أجسادهم، لم يتورع «الإعصار» الهندي الملياردير موكيش أمباني، عن استعراض ثرواته الباذخة بأسلوب مهين لبني جلدته وجلده، في مجتمع يعيش فيه مئات الملايين (لاحظوا مئات الملايين) من الناس على الكفاف أو على دولار في اليوم.  وبعضهم لم يشاهد دولاراً ولا يبدو يحلم بامتلاكه في المستقبل.

أمباني دشن قبل شهرين أغلى منزل في العالم بتكلفة مليار دولار، وهو برج من 27 طابقاً (بسقف ضعف ارتفاع طوابق المباني العادية مما يعادل ناطحة سحاب مكونة من 60 طابقا) في ضاحية «كوفي باراد» الفاخرة، في جنوب ممباي مدينة الأساطير والمهراجات، وجوعي منبوذين تأكل الهموم أرواحهم، حيث يتجاور الفقر المدقع الموهن، والثراء الباذخ النافخ.

بنى أمباني ناطحة سحاب، تطل على بحر العرب، اسماها «أنتيليا» تيمناً باسم جزيرة «انتيليا» الأسطورية في الأطلنطي في منتصف المسافة تقريباً بين العالمين القديم والجديد.

 واسم الجزيرة الأسطورية الأصلي هو جزيرة «التين» وهم الاسم العربي حينما كان العرب يسودون أسبانيا والبرتغال وغرب المتوسط وجزر شرق بحر الظلمات (الأطلنطي) ومنها جزيرة التين هذه التي أظن أنها هي جزيرة الأزور الحالية، وجزر الخالدات (الكناري) وعشرات الجزر الأخرى في المحيط. وسميت الجزيرة أيضاً بـ«جزيرة المدن السبع»، و«جزيرة الحظ» و«جزيرة الرضا».

وأمباني رئيس مجلس إدارة شركة «رلاينس» للصناعات الهندية الذي يملك 27 مليار دولار ورابع أغنى رجل في العالم، وتتوقع مجلة فوربز أنه سوف يصبح أغنى رجل على وجه الأرض في عام 2014.

وناطحة السحاب الزجاجية، والـ27 طابقاً فاخراً، مخصصة لسكن ستة أشخاص، فقط لا غير، هم الثري ووالدته وزوجته نيتا وأبناؤه أكاش وأنانت وإيشا. وسيخدم الستة 600 شخص. وتوجد خدمات رفاهية مثل ثلاث مهابط للمروحيات على السطح وحوض سباحة وناد صحي وصالون ومسرح صغير، وتسعة مصاعد سريعة وكراج يتسع لأكثر من 160 سيارة. ومئات غرف «لا تشبه أي منها الأخرى» (لا حظوا لا تشبه أي منها الأخرى) .

ولا يبدو أن أمباني هو الوحيد الذي يعبد المال، ولكن لا يبدو أن أحداً، يسري في جسده دم إنسان، وفي جبينه كرامة، يتطرف بعبادة المال والبذخ إلى هذا الحد من التباهي الفاحش والإعلان الجنوني عن الذات، بينما يسكن في الجوار القريب ملايين المعوزين الذين كثيراً منهم ما كان أمباني، ولا أمثاله، يتمتعون بكل هذا البطر الاستثنائي لو لم يكن الفقراء مستهلكين لمنتجات شركاتهم.

كان بإمكانه أن يبنى منزلاً فاخراً يحوي كل الرفاهيات، بربع هذا المبلغ، وأن يؤسس بثلاث أرباع التكلفة عشرات المصانع التي ستنتج وتوظف مئات الناس الذين سيطعمون آلافا من الجوعى من جيرانه وبني جلدته الذي يتسولون على بعد كيلومترات قليل من المنتجع الأسطوري.

ولكن يبدو أن المال أحياناً يحول عباده إلى كائنات آلية صماء، تتحول إلى حاسبات وعدادات نقد لا أكثر. وتتضخم عندها التباهيات إلى أن تكون قطعة من «أرواح الشمس» وتتصرف على أساس أنها ومضة من نور.

مقطع من ألباجافادجيتا (ملحمة المهابهارتا الهندية): يا بارثا «انظر لأرواح الشمس: آلهة الشعاع وآلهة الدمار والأسفنيان وماروتس والعديد من الإشراقات التي لم ترى من قبل، فانظر الآن».

______________

مجلة الاقتصاد ـ يناير 2011

2011-01--457-- أرواح الشمس ـ طقوس كهانة المال

انتبهوا.. انتبهوا…!

مطلق العنزي   

اكتشفت، صدفة، أنني، في مناسبات، خطر على الذوق الإقليمي والدولي، من ولينغتون في النأي النيوزيلندي حتى سنتياغو في المستدقات التشيلية، ومن الأراضي المنخفضة شمالاً حتى فولتا العليا جنوباً. واكتشفت أيضاً أنني، بالنسبة لعصبة من الناس، لست أقل من «كارثة» تتدحرج على قدمين بدويتين وبريتين (من الوبر) وتسبب «تلبكات» ذوقية حادة في كل فج عميق.
وقد نبهتني إلى ذلك «لبيسة» فذة، أي خبيرة موضة «تجلت» في قناة فضائية، كي تعطي مواعظ  للرجال في الأسلوب الأمثل لارتداء البدل.
وكانت تتحدث بحماس و«حزم» وجدية متطرفة عن «الستايل المهضوم».!
وبين فينة وأخرى توجه تحذيرات آمرة بلهجة الغستابو: «انتهبوا».. «انتبهوا»..!
«انتبهوا.. ألا يقل قصر أكمام المعطف عن خمسة سنتمتر عن أكمام القميص».
و«انتبهوا.. أن يكون لون الحزام من لون الحذاء». وأفاضت بما تيسر من «تقريعات» لي وردعاً لأمثالي المارقين على الأصوليات الأتكيتية.
وبعد أن «انتبهت» وقارنت تعليماتها، بما أحدثه من فوضى حينما ارتدي بدلة، حمدت الله أنها لم ترني وأنا «أشخص»، لأنها ستصاب بإغماءة قد لا تفيق منها أبداً.. أبداً. إذ مظهري ليس «مهضوما» البتة، فأكمام المعطف، في الشتاء، طبعاً، تصل إلى الرسغ، وأحيانا، وليس سهواً، أرتدي حزاماً ليس من لون الحذاء، وذلك يعامل، في ملة اللبيسين، على أنه ارتكابات «إرهابية» للذوق.
وكان على هذا البدوي «الوبري»، الذي هو أنا، المتسلق لاتيكيتيات المدن واطيافها، أن «ينتبه» مبكراً، مبكراً، لهذه الأخطاء الشنيعة.
وكان يجب علي أن أتثقف اتيكيتياً، قبل آن أتفاجأ بأنني، موضوياً، على ضلال مبين، بل قل و«مصدع» للأذواق النجيبة في الثقلين.
وأذكر أنني ذهبت إلى مطعم في باريس، حيث كانت تنظم حفلة، مفتوحة، ولكن موظفي الاستقبال قالوا أن المناسبة تقتضي أن ارتدي ربطة «تاكسيدو».  ولم أكن أعلم، آنذاك، ما هي التاكسيدو أصلاً. ولو سألتني حينها، لظننت أنها أقرب إلى نسع مما تخاط به أدم المغاتير في شمال رماح يساراً من حُزْوَى البهية، إذ يشدو غيلان لسهب الدهناء وصباح مي الصدود:
كأنَّا وميّاً بعدَ أيامنا بها وَأَيَّامِ          حُزْوَى  لَمْ   يَكُنْ   بَيْنَنَا وَصْلُ


وحاول الموظف الفرنسي أن يفقهني بالأمر، فأشار إلى أثنين يدلفان إلى الداخل، يرتدي كل منهما ربطة عنق صغيرة، ليس لها أية مهمة سوى أن تلصق في العنق فقط، وخلت أنها من أطوار مرابع سهول الغال الأفرنجية، وبصحبتهما فاتنة «هضيم الحشا خذول»، إلا أنها لم تكن ترتدي إلا ما يستر ربع صدرها الباريسي الناهد وهي ترتز مثلما رسم غيلان صناجة الدهناء ذاته:
تَرَى نصفَهَا نِصْفاً قَنَاة ً قَوِيمَة ً      ونصفاً نـقاً يرتـجُّ أو يتـمرمرُ
تَنْـوءُ بِأُخْـرَاهَا فَـلأْيـاً قِيَامُـهَا        وَتَمْشِي الَهُوَيْنَا مِنْ قَرِيبٍ فَتَبْهُرُ

وتعجبت لماذا يصر القوم، في مضارب بني الأحمر، على «تحشيم» الرجل من الرسغ إلى الرسغ، ويتحتم عليه ربطة عنق بحيث لا يفتح أي من أزراره سهواً، بينما النساء يفتحن في صدورهن «شوارع»، حتى أضحت هذه «السلوم» الأخيرة من مألوفات الفضائيات العربية.
وزال العجب حينما «انتبهت» إلى أن ما بيني والقوم وعثاء «بيد دونها بيد»، وسهب مداد «ذاتُ أَهْوالٍ ثَكُولٌ» (كما يقول الجميح)، ومسافات طوال من اختلاف المناشيء وتنوع الحضارات والتقاليد.
وحرمتني، أدبيات الاتيكيت الغربية هذه، حضور حفلة ماسية بهيجة أخرى في واشنطن، لأنني كنت قفراً من أية ربطة عنق، فيممت مقهى مجاوراً، متصبراً، متحسباً على المغني البغدادي «زرياب» الذي نقل مباديء الآداب العامة «الأتيكيت» إلى أوروبا حينما زار الأندلس في القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) فتولع شباب الأندلس بسلوك المغني العباسي وعطره، ونقلوها إلى أوروبا. لكن الأوروبيين زادوا عليها آداب الصالونات الباريسية في عصر النهضة، ومن ذلك ربطات العنق. فاستوردها العرب إلى مضاربهم في «قفا نبك»، في القرن العشرين مع الثقافة الاستعمارية فأعدنا توطينها ولكن بلكنة غربية.
وجلست أرتشف قهوة متحسباً قول يزيد بن الطثرية:
وأَلْقَيْتُ سَهْمِي وَسْطَهم حين أَوْخَشُوا،      فما صارَ لي في القَسْمِ إلا ثَمينُها


وزبدة القول أن اتيكيتيين يمدونا بفضائل مهمة ومندوبة وذوائق عذبة، وآخرين «فاضين» يتفرغون لتصميم أنواع من التعقيدات ويتزمتون في تطبيقها. وبعضنا يتبرع، أحيانا، بترجمة أذواق متطرفة و«علة»، ويضيق واسعاً رحباً بلا داع أو ضرورة.
________________
مجلة الاقتصاد ـ مارس 2012

انتبهوا ـ انتبهوا ـ 1

العالم التحتي.. «الملغوم»..!

مطلق العنزي      

سبق أن كتبت، في هذه المجلة، عن الاغراءات «الفاحشة» التي أتعرض إليها، ورسائل «الإغواء» التي تطير النوم من الجفون الناعسة، ويسيل لها لعاب الذين تستعمر يراعهم الطموحات المالية وتأخذ بألبابهم عدادات الملايين، و«الحسابة تحسب»..!
وقد اختفت «عيدة» الأرملة الأرجنتينية الثرية، التي حاولت إغوائي، وربما لحقت بزوجها رفيق المرحوم القذافي، أو احجمت عن مواصلة اغراءاتها لي بعد أن دس رهط من «أهل الخير» في أذنيها، ذات الأقراط الماسية، أنني قد أفشيت أسرارها في ملأ من المؤمنين، ولا بد أن قلبها قد امتلأ بخليط من اليأس وغل الغيظ، أو أقنعوها أنني غير جدير بالثقة، وأنني «ساذج» وعدو مصلحتي، وأشيح عن الفاتنات الغيد الهوانف.
سقى جارتَيْ سُعْدى وسُعدَى ورهطَها
    وَحَيْثُ الْتقى شرقٌ بسُعْدى ومغربُ
                           (مُليح)

 وربما اقترحوا عليها شخصاً آخر «كتيم أسرار»، و«ذيب أمعط» إذا ما شم رائحة الدولارات وإن كانت في جغرافيات قصية، أو حتى في بلاد «الواق واق».
(ملاحظة: بلاد الواق واق في الأدب العربي، هي نفس «قلعة وادرين» التي تتردد في المقاهي الشعبية. وقيل أن الواق واق جزر فيها اشجار ثمارها على هيئة رؤوس نساء تتدلى بشعور طويلة معلقة بالأغصان إذا نضجت سقطت ومر الهواء بتجاويف فيخرج صوت كأنما يقول «واق واق».. وحكى موسى بن المبارك السيرافي أنه دخل هذه البلاد وقد ملكتها امرأة وأنه رأي الملكة «على كرسي العرش عارية وعلى رأسها تاج وعندها أربعة آلاف وصيفة عاريات أبكار»..! وهذا الوصف الأخير يدلك على أن السيرافي نفسه «حكواتي» عبيط ويتمتع بذمة وسيعة، مثل ذمة «عيدة»).
وأَنتَ ما أَنتَ، في غَبْراءَ مُظْلِمةٍ         إِذا دَعَتْ أَلَلَيْها الكاعِبُ الفُضُل
                                               (الكميت)

 دعك من عيدة ومن نواب مديري البنوك المرتشين، والمستشارين الفاسدين، فالمسألة، في الشهرين الأخيرين تطورت، ووصلت إلى «صليبي رؤوس» رفيعة، إذ كتب إلي «معالي» رئيس مجلس النواب، كبير المشرعين نفسه، في دولة افريقية شهيرة شاسعة المساحة، يقول أنه حيران بعشرات الملايين التي لم تصرفها حكومة بلاده إلى متعهدي مشروعات بنية تحتية، وأنه غاضب و«مندهش» لبطء الحكومة هناك وسوء أدائها. ويقترح أن يحول الملايين التي لم تنفقها الحكومة، إلى «السيد المحترم»، أنا، لو أعطيته حسابي. وبعد أيام كتب إلى من يدعي أنه مهندس وناشط، لا يشق له غبار، في عمليات الفساد الواسعة النطاق في العراق، خاصة في عهد نوري المالكي، ويبشرني أنه قد استولى على عشرات الملايين من الدولارات، عداً ونقداً، ويطلب مني الموافقة على تحويلها باسمي، طبعاً لـ«غسلها»، ثم نلتقي، أنا والمهندس «الملغوم» ذاته، في مكان مريح ونتفق على مشروعات مشتركة. وطلب العنوان ورقم الهاتف والحساب، وهي نفس الطلبات التي تمتليء بها رسائل «سبام»  المتطفلة «الملغومة» التي يتلقاها ملايين الناس كل صباح في بريدهم الالكتروني، وتحمل أسماء شركات وأسماء ذوي نفوذ وبأس مثل «مولانا» رئيس البرلمان.
إِذا جَرَّ مَوْلانا علينا جَرِيرةً،       صَبَرْنا لها، إِنَّا كِرامٌ دعائِمُ
وننصر مولانا ونعلم أنه       كما الناس مجروم عليه وجارم
                      (عمرو بن براقة الهمداني).

ولم أوافق لا مع رئيس مجلس النواب الأفريقي، ولا مع «الباش مهندس» الملغوم، لأن إبليس يبدو مشغولاً جداً مع فاسدين رفيعين، من خمسة نجوم فما فوق، ومع عبدة الدينار والدرهم، حتى أنه لا يبدو يأبه كثيراً للمترددين أمثالي، إضافة إلى أنني استعيذ بالله من كل شياطين الأنس والجن، وهذا لا يروق لإبليس أبداً، ولا لمريديه وأتباعه الغاوين. وهو يفضل أصحاباً جاهزين، مجرد أن «يهمزهم»، يثبون، قائمين كالأطواد، ثم «يخاوونه» إلى ظلمات الأنفاق كي يعلمهم فنون العالم التحتي، ولاحقاً سيتجول بهم، حتماً، في «نوادي» نجوم الظهر، وربما يحولهم من غسالي أموال مفتونين بالثراء عبر القارات والصحاري، إلى غسالي ملابس داخلية لسجناء، حينما تدلهم الليالي ويتكومون في شرور أعمالهم وطمعهم، وغبائهم بالذات.
فالعَيْنُ بَعْدهمُ كأَنَّ حِداقَها      سُمِلَتْ بشوكٍ، فهي عُورٌ تَدْمَعُ
                                  (أبو ذؤيب)
___________
مجلة الاقتصاد ـ ديسمبر 2014

العالم التحتي الملغوم ــ 2014ـ12.jpg

وطن الفضة الجنوبي.. فريسة «الغربان»..!

مطلق العنزي

ليست الرئيسة الأرجنتنية كريستينا فيرنانديز دي كيرشنر، «الستينية»، فقط، هي الأجمل بين رؤساء العالم ورئيساته (وحتى مديرات الأعمال التنفيذيات السليطات المتسلطات)، بل الأرجنتين بلد جميل أيضاً، وأناسه الرائعون المتنوعون، الذين يتوسدون التاريخ، وعانوا الكثير من الآلام والبؤس والخوف، ومن جنوب يمعن في جنوبيته.
وكانت الليالي الأرجنتينية السود الطوال هي الأكثر حضوراً على مدى قرن ونصف في هذا البلد الذي يسكن أقصى الأرض.
في الأرجنتين موارد هائلة، لكن موقع البلاد القصي والثروة الزراعية الوافرة لم يساعدا الاقتصاد الأرجنتيني على التحمل إضافة إلى أرث تحالف المصارف الرأسمالية الجشعة والفساد والبيروقراطية والديكتاتوريات العسكرية، واخيراً انتهازية «الغربان» جعلت الأرجنتين تغرق أكثر في دموعها، وهدفاً لما يبدو وكأنه مؤامرة تركيع.
الرئيسة دي كيرشنر شكت في خطاب، في مجلس الامن وجمعية الأمم، في أواخر سبتمبر الماضي، من «الإرهاب الاقتصادي» الذي تمارسه صناديق الغربان، وهي صناديق التحوط الجشعة التي تعيش على امتصاص دماء الاقتصاديات المريضة للبلدان المؤبوءة بالديون وتوحش الرأسمالية.
في أغسطس أعطت الرأسمالية المتوحشة الأكول وقاض غليظ القلب، ووسيط مشكوك في نزاهته، كامل الشرعية لـ«الغربان» لافتراس بلد «الفضة» الجميل.
في نادي باريس، تمكنت الأرجنتين، بعد مفاوضات شاقة وموجعة أريقت فيها الكثير من الدموع والتوسلات،  من التوصل إلى حلول مريحة مع دائنيها، بأن يشطبوا 70% من ديونهم. وكانت الصفقة أملاً بالخروج من النفق المظلم وعنق الزجاجة الخانق.
وبدأت بيونيس أيريس، سعيدة مرحى، بإيداع أقساط الديون في بنك نيويورك ميلون. لكن مجموعة من الدائنين لا تمثل سوى 10% هي «غربان» أمريكا رفضت التفاوض مع الأرجنتين وقررت بوقاحة ابتزاز الحكومة الارجنتينية إلى أقصى مدى، فسجلت دعوى قضائية تطالب بتسديد القروض كاملة.
ولأن طالع الأرجنتين وحظها تشوبه الكثير من الظلامات والضيم منذ استقلالها عام 1818 مروراً بحروب ومصادرات وتنوع أيديولوجيات قومية ودينية وذرائعية، ودموع «أمهات مايو» اللائي تتقطع أمشاجهن حتى اليوم تخليداً لذكرى أحباب غائبين، حتى خص الله الأرجنتين بابتلاءات الغربان والخبراء الصلع الميامين في صندوق النقد الدولي، الذين ما حلوا ببلد حتى تركوه يباباً.
ولسوء حظ الأرجنتين أن القاضي النيويوركي، توماس جريسا، وهو يبلغ من العمر عتيا، ويبدو يميل إلى الغربان وما يسطر الرأسماليون الشرهون، حكم بمنع مصرف ميلون من تسليم الأقساط إلى دائني الأرجنتين ما لم يجر تسديد قروض الغربان.
وهنا أدخل القاضي جريسا، عنوة وتبلياً، الأرجنتين في فخ الغربان التي تود الضغط على بيونس أيريس لتسديد قروضها كاملة أو دفعها إلى هاوية الإفلاس السحيقة.
وإن وافقت بيونس أيريس تحت الضغط فإن ذلك يعطي للدائنين الآخرين حق الغاء اتفاقية نادي باريس والمطالبة بكامل قروضهم.
المغنية العالمية الشهيرة مادونا غنت «الأرجنتين.. لا تبكين من أجلي» في فيلم يجسد حياة ايفا بيرون (زوجة الرئيس خوان بيرون في الشطر الأول من القرن الماضي) معشوقة الجماهير الأرجنتينية.
ولا تستحق الأرجنتين ولا شعبها الطيب الأنيس ولا رؤساؤها ولا رئيستها الجميلة، ولا ذكرى بطلها، المحرر التاريخي، سان مارتن، كل هذا الحيف والعنت.
والحكومة الأرجنتينية الراهنة تتصرف بعقلانية، إذ رسمت خططاً عملية للتخلص من الديون وتلونات الغربان منذ عهد الرئيس المرحوم نيستور كارلوس كيرشنر (زوج الرئيسة) الذي قضى نحبه، وهو يبكي، كأيفا بيرون، من أجل الأرجنتين، ربما بسبب الغربان وتغولات الزمن وهو يرى وطن الفضة الغض الجميل تغتاله مخالب الغلاظ.
وقصة صراع الأرجنتين وغربان الرأسمالية ليست جديدة، فقد قال لي شخصياً الرئيس الأرجنتيني راؤول الفونسون عام 1986، حينما أجريت معه مقابلة صحفية، أن الغرب انتهازي، وشكا بمرارة من «هذا التناقض»، ففي الوقت الذي يطلب الغرب من الأرجنتين الخارجة تواً، في تلك الأيام، من حكم العسكر ومغامرة الجنرال غالتيري في جزر ماليفانس( فوكلاند) كانت الدول الغربية تتعمد منح مزارعيها إعانات ليبيعوا اللحوم والمنتجات الزراعية بأقل من اسعار تكلفتها الارجنتين، فلا تتمكن في الارجنتين من بيع انتاجها والحصول على عائدات تمكنها من تسدد الديون، فتظل مقيدة باغلال البنوك الغربية.
والشكوى الأرجنتينية ذاتها تتكرر هذه الأيام.
ولو أن الدائنين يملكون ذرة من ضمير وبعضاً من حصافة لساعدوا الأرجنتين على التخلص من ديونها، ولاستثمروا في حقولها الذهبية التي يبدو أنها سوف تنهض عملاقاً اقتصادياً عالمياً، لو تخلصت من خبراء مؤسسات إجماع واشنطن وكوابيس الغربان المرعبة.
________________
*مجلة الاقتصاد ـ نوفمبر 2014

وطن الفضة الجنوبي ـ فريسة الغربان ـ 2014ـ11

عذابات السعودة.. الضغط على الزناد..!

 

مطلق العنزي       

أمسكت «الدكتورة» الهمام المدعوة «ل. ب»، مديرة الموارد البشرية، بسياطها الملساء اللساعة وانهالت بها على الأجساد النحيلة العارية الغضة، جلداً مبرحاً، ثم هوت بأقدامها «ترفيساً» وتنكيلاً، والضحايا مكتوفو الأيدي معصوبو العيون.. ثم أدارت ظهورهم إلى الحائط، وضغطت على الزناد.. ومع «دوي» الصوت انطفأت قدرتي على التخيل.
لا يمكن تخيل هذا المشهد إلا إذا هبت الريح الصرصر العاتية وغمام العج الذي يثيره برنامج للتوظيف في إذاعية محلية.
وبعد الاستماع إلى البرنامج أدركت أن ليل شبابنا سيطول، إذ تحولت المذيعة «الدكتورة» إلى «كابوس» ليلي وشتاء مقيم، ربما دون أن تعلم..
وتُصْبِح عن غِبِّ السُّرى وكأَنّها           أَلَمَّ بها، من طائِف الجِنِّ، أَوْلَقُ
                                                             (الأعشى)
لم تنفك المذيعة الدكتورة، التي لا تمل ولا تكل من تكرار التذكير بأنها مديرة موارد بشرية، من الغمز واللمز، والركل تحت الطاولة وفوقها، والحط من قدرات الشباب السعودي بصورة مقززة واضطهاديه بـخليط وافر من الثقة الفارغة «المنتفخة» بالنفس، والفهم الخطأ.. و«فكة» من السطحيات الأخرى.
وكانت تمجد، إيحاء، ذكاءها فيما «تقطع» في لحوم الشباب السعودي، وتحاول إثبات أن السعوديين غير ملتزمين وغير كفوئين، ولا يفهمون.. وكثيراً ما تشير، كـ«مديرة موارد بشرية» إلى «معاناتها» مع السعوديين.
وودت لو انها تدرك «معاناتي» وقطع العذاب التي دهمتني وانا أستمع إلى سحبها الدفيئة..!.
والأكثر فداحة، وكي نعرف الأفكار التي تتغايم في مخيخ الدكتورة، أنها بعد كل هذا العنت واتهام الشباب السعودي بما لم يقله مالك في الخمر، تقول أنها تهدف إلى مساعدة الشباب السعودي وتجفيف البطالة من منابعها واقتلاعها من جذورها البيروقراطية، مثلما جفت ريقي.
ولا خير في خير ترى الشر دونه      ولا نائل يأتيك بعد التلدد
                                                         (طرفة)

ولا يمكن هضم هذا النوع من «الإصلاح» إلا إذا صنفنا الدكتورة إلى ثلة «المدرعمين» المسلحين بسطحية طرح معدية و«متعدية» وفنون رفيعة من «الهياط».
وكي لا يهضم حق الدكتورة في كثافة «الخشاش» فإنها تستضيف قدرات مهنية جيدة ومتمكنة، والبرنامج قوى ومهم لو تمتعت الدكتورة بـ«الركادة»، وما خلطت بين الموضوع وآرائها وما جعلت من فقهها الإداري، إن كانت فقيهة، جدراناً تمنع الضيف من رؤية القدرات الفذة للشباب السعودي وترغمه على سوداوية شخصية لا ضرورة لها لتصور السعودي على أنه «حشف وسوء كيل»، لمجرد أن يفهم الضيف والمشاهد أن الدكتورة «خبيرة» موارد، و«تعاني» من بلادة السعوديين..!.
وما آفة السعودة والسعوديين إلا مديرو الموارد البشرية وخبراؤها.
وفي تكرار ممل لـ«معاناتها» لا تنسى أن تذكر الضيوف أنها، بحكم خبرتها وباعها الطويل،  «تقدر متاعب مدير الموارد البشرية، حينما يبحث عن سعوديين أكفاء» كما قالت. وهذه العبارة وحدها تعبر عن شخصية تلتحم في صخب الهجمة، غير البريئة، على السعوديين، وتصمهم بسوء القدرات وسوء التربية والتعليم. وهي هجمة «مسمومة» ومهندسة للنيل من الشباب السعودي وتهميشه.
ألزَمْتَ نَفْسَكَ شَيْئاً لَيسَ يَلزَمُها         أنْ لا يُوارِيَهُمْ أرْضٌ وَلا عَلَمُ
                                                             (المتنبي)

ويبدو أن سموم الدكتورة «باتعة»، إذ تمتزج بالأثير وتهاجم المستمعين، فبعد أن استمعت إلى حديثها شعرت بـ«دوخة» و«غثيان».. مع أنني مسلح بسنين طوال، ولدي حصانة في مكابدة الهجمة، ومناعة حيوية ضد سمومها.
وأغفر للدكتورة أنها فكرياً لا تستطيع التفريق بين الهجمة ووسائلها، لهذا من دون أن تعلم ضربت على «الدفوف» ورقصت مع الصاخبين على جثث المبتلين بمديري موارد بشرية ببغائيين ضحلي الثقافة وصليدي الحس وسليطي اللسان.
وواضح أن هذا «الكابوس» المسمى «دكتورة»، وكوابيس  أخرى تتفشى في مؤسسات الأعمال في المملكة، هي العقبة الكدأء أمام السعوديين والسعودة. وهم الذين ينشرون الإساءات، بل وينهضون بـ«حملات» ضد السعوديين، بقصد أو دون قصد. ولكن كيف يقاوم الشباب الطري الغض السهود هذا النوع من السموم الفتاكة؟
لا يبدو أنه يستطيع أكثر من يستعد للسياط و«ترفيس» مديري الموارد البشرية، ثم يدير ظهره إلى الحائط، ويسد أذنيه كي لا يقضي نحبه مروعاً حينما تضغط الدكتورة، وأضرابها، على الزناد.
 _______________
*مجلة الاقتصاد ـ مارس 2013

2013-03--483-- عذابات السعودة .. الضغط على الزناد